الشيخ أحمد فريد المزيدي

176

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

وقد وقع لبعض المريدين أنه نظر إلى امرأة سرّا فاسودّ وجهه ، وصار كالقار ، فافتضح بين الناس ، فذهب إلى الإمام أبي القاسم الجنيد ، فشفع فيه عند اللّه ، فردّ اللّه عليه لونه « 1 » . وكان الجنيد رضي اللّه عنه يقول : تأملت في ذنوب أهل الإسلام فلم أر منها ذنبا أعظم من الغفلة عن اللّه تعالى « 2 » . باب المحاسبة قال الجنيد : سمعت ابن الكرنبي يقول : أصابتني ليلة جنابة ، فاحتجت أن أغتسل ، وكانت ليلة باردة ، فوجدت في نفسي تأخّرا وتقصيرا ، فحدثتني نفسي بالتأخير حتى أصبح وأسخن الماء وأدخل الحمام ولا أعني على نفسي ، فقلت : واعجباه ! أنا أعامل اللّه في طول عمري ، فيجب له عليّ حقّ فلا أجدّ في المسارعة ، وأجد الوقوف والتأخير ، آليت ألا أغتسل إلا في مرقعتي هذه ، وآليت ألا أنزعها ، ولا أعصرها ولا أجففها في الشمس « 3 » . قال الجنيد بن محمد قدّس اللّه روحه : حكى لي أبو موسى بن عيسى بن آدم البسطامي ابن أخي أبي يزيد طيفور بن عيسى : أن بدء أبي يزيد وتوبته من رحم أمه وصلب أبيه أنه كان صبيّا أقل من عشر سنين ؛ إذ نبهه اللّه لأمره ، وألهمه حكمة العمل فائدة من عنده من غير تعليم ، فقال يوما لوالدته : يا والدتي ، أقسم عليك هل تناولت شيئا من الحرام بسببي أيام كنت ترضعيني ؛ فإني لا آمن أن يكون قد وصل إلى قلبي شيء من ذلك ، وأنا لا أعلم ، فيحجبني ذلك عن ربّي ؟ فقالت له أمه : لا أذكر إلا أني دخلت يوما إلى بعض جيراننا وأنت في حجري ، فأخذت قارورة دهنهم ، فدهنت رأسك ، ولم أعلمهم ، ويوما آخر كحلتك بكحلهم ولم أستأذنهم ، فقال أبو يزيد : إن اللّه تعالى يحاسب عباده على مثقال ذرة ، ثم قال : ألا ترين إلى قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] ، وهذا أعظم من

--> ( 1 ) قال سيدي عبد الوهاب الشعراني : وذلك لأن هذا المريد كان ممن اعتنى الحق به ، وإلا فكم يقع غيره في كبائر وصغائر ولا يظهر عليه شيء من ذلك ، فلا يزال من هذا شأنه يزيد باطنه ظلمة حتى يستوجب النار ، وقد سئل بعضهم عن تحقيق سواد جسد آدم ما سببه ؟ فقال : كان ذلك دليلا على أنه حصل له السواده بأكله من الشجرة . وانظر : العهود المحمدية ( ص 84 ) . ( 2 ) انظر : العهود المحمدية للشيخ الشعراني ( ص 216 ) . ( 3 ) انظر : الإحياء للغزالي ( 4 / 406 ) .